السبت، 22 أبريل 2017

سفر نشيد الانشاد ج3 تفسير بعض الآيات ذات الايحاءات الجنسية ارثوذكسيا



الاصحاح الثالث
"1فِي اللَّيْلِ عَلَى فِرَاشِي طَلَبْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي. طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ. 2إِنِّي أَقُومُ وَأَطُوفُ فِي الْمَدِينَةِ، فِي الأَسْوَاقِ وَفِي الشَّوَارِعِ، أَطْلُبُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي. طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ. 3وَجَدَنِي الْحَرَسُ الطَّائِفُ فِي الْمَدِينَةِ، فَقُلْتُ: «أَرَأَيْتُمْ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي؟» 4فَمَا جَاوَزْتُهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً حَتَّى وَجَدْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي، فَأَمْسَكْتُهُ وَلَمْ أَرْخِهِ، حَتَّى أَدْخَلْتُهُ بَيْتَ أُمِّي وَحُجْرَةَ مَنْ حَبِلَتْ بِي. [١–4٥].
يمكننا تفسير هذا الحديث من وجهتين، كحديث الكنيسة الجامعة لعريسها المسيح، أو حديث النفس كعضو في الكنيسة مع مسيحها.
١. التفسير الأول: حديث الكنيسة الجامعة:
حمل هذا الحديث الرمزي صورة حية لأحداث القيامة بالنسبة للكنيسة منذ أرتفع عريسها على الصليب فقد طلبته ثلاث مرات ولم تجده إلاَّ في المرة الأخيرة.
أ. ففي المرة الأولى طلبته "في الليل"، ولعل ذلك إشارة إلى الظلمة التي غطت الأرض في لحظات الصليب، إذ يقول الكتاب: "ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة. ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم... وإذا حجاب الهيكل قد أنشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين" (مت ٢٧: ٤٥–٥٢).
صار النهار ليلًا، وكانت ظلمة على كل الأرض، ولم يستطع حتى التلاميذ أن يدركوا سرّ الخلاص في ذلك الحين... إذ لم يكونوا بعد قد تمتعوا بالاستنارة. طلبوه وهم على فراشهم فما وجدوه ودعوه فلم يسمع لهم طلبوه وهم في ظلمة الفكر الجسداني البشري، وهم على فراشهم غير قادرين على الجهاد معه أو إدراك أسرار الروح، فلم يجدوه. لعلهم كانوا يتساءلون في داخل أفكارهم: هل هذا هو المسيا المخلص؟! أو على حد تعبير تلميذي عمواس فيما بعد: "كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل" (مر ٢٤: ٢٠). ربما كانوا يتوقعون أنه يفلت من أيدي صالبيه وينتقم لنفسه ويقيم مملكته في ذلك الحين، لكن شيء من هذا لم يحدث قط!
ب. وفي المرة الثانية طلبته العروس ليلًا، ليس على فراشها وإنما كما قالت: "إِنِّي أَقُومُ وَأَطُوفُ فِي الْمَدِينَةِ فِي الأَسْوَاقِ وَفِي الشَّوَارِعِ"، وهذا إشارة إلى حال التلاميذ بعدما دفن الرب ودخلوا إلى العلية وتحول وقتهم كله إلى ليل، إذ طلبوا الرب وهم خائفين والأبواب مغلقة. لقد حاولوا أن يسترجعوا قوتهم ويقومون يبحثون عنه في المدينة في الأسواق والشوارع. لقد كان الوقت سبتًا، لكنهم لم يذوقوا طعم الراحة، ولا قدروا أن يستكينوا إنما تحولت عليتهم وليس المدينة، وتحولت أفكارهم وربما أحاديثهم معًا إلى أسواق وشوارع، يتساءلون كل في داخله أو مع زملائه: وما نهاية الأمر؟! بحثوا عنه فيما بينهم وهاجوا وماجوا في أعماقهم ولا سلام!.
ج. أما في المرة الثالثة فقد تم البحث عنه عند القبر الفارغ، فقد خرجت مريم فجر الأحد والظلام باق لم تبالي أن تسير في الشوارع والأسواق حتى اجتازت القبر. لقد خرجت نيابة عن الكنيسة حزينة القلب وسألت الملاك بدموع عمن تحبه نفسها، وما جاوزته قليلًا حتى رأت الرب والتصقت به[104]... لقد أمسكت به أولًا لكنها إذ أرادت أن تبقى هكذا سألها أن تسرع وتخبر التلاميذ أن يلتقوا به في الجليل... وكأن القديسة مريم قد دخلت به إلى الكنيسة بيت أمها وحجرة من حبلت بها.
أما حديث الكنيسة: "أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ بِالظِّبَاءِ وَبِأَيَائِلِ (قوي) الْحَقْلِ أَلاَّ تُيَقِّظْنَ الْحَبِيبَ حَتَّى يَشَاءَ 5" فهو حديث عتاب مملوء حبًا موجه من الكنيسة المسيحية إلى جماعة اليهود. لقد سخروا بالعريس على الصليب قائلين: "إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب" (مت ٢٧: ٤٠)،
رؤساء الكهنة أيضًا وهم يستهزئون مع الكتبة والشيوخ قالوا: "خلص آخرين وأما نفسه فلم يقدر أن يخلصها. إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به" (مت ٢٧: ٤١-٤٢). وكأن الكنيسة بعد أن دخلت إلى قيامته عادت تقول لبنات أورشليم: لماذا كنتن تستعجلن العريس أن يقوم، أسألكن بحق الأنبياء "الظِّبَاءِ وأَيَائِلِ الْحَقْلِ" أن تتركن إياه ليقوم في اليوم الثالث حيث شاء هكذا! إن كان قد رقد على الصليب فراجعن النبوات واذكرن أنه يقوم متى شاء! لقد عرفت الآن سرّ موته ودفنه، إنه مات عن قوة، وقام ليقيمنا معه!
٢. التفسير الثاني: حديث النفس البشرية:
إن كانت الكنيسة قد طلبته ثلاث مرات، وهو على الصليب، وهو في القبر، وأخيرًا بعد قيامته عند القبر الفارغ... وفي اليوم الثالث وجدته، فإن النفس البشرية في بحثها عنه قد تطلبه ثلاث مرات أو بثلاث طرق لكنها لا تجده إلاَّ في الطريق الأخير: تطلبه بمجهودها الذاتي، أو تطلبه خلال الخدام وحدهم، وأخيرًا تطلبه بثقة في إمكانيات عمل الله فيها دون تجاهل لجهادها أو لخدمة العاملين في كرمه.
أ. طلب الرب بالمجهود البشري الذاتي: لقد بدأت النفس حديثها: "فِي اللَّيْلِ عَلَى فِرَاشِي..." لعلها في وقت ضعفها حلمت حلمًا مزعجًا أنها قد فقدت عريسها، فخرجت تبحث عنه بمجهودها الذاتي لكنها لا تقدر أن تلتقي معه إن لم يجتذبها هو إليه.
ربما عنت بالليل إنها صارت مسترخية في ظلمة الاستهتار، تطلبه وهي مستلقية على فراشها في تواكل بلا جهاد روحي حق... لذلك طلبته فما وجدته. إنما لم تسترح على السرير الذي وصفته قبلًا "سريرنا أخضر" (نش ١: ١٦)، لكنها أرادت أن تستلقي على سريرها البشري.
رأينا أن الحديث عن "سريرنا الأخضر" يُشير إلى اتحاد الله الكلمة ببشريتنا، فحمل جسدنا فيه، أما الحديث عن "سريري" أو "فراشي" فيُشير إلى "جسدي" أو "بشريتي" في اعتزالها أو اعتدادها بذاتها. لقد طلب القديس أغسطينوس الرب وهو مستلقي على فراشه حين خرج يبحث عنه في كبرياء فلم يجده إذ قال[105]: [إننيّ أغلقت على نفسي باب إلهي... وعندما أردت القرع عليه ليفتح ليّ كنت أعمل بالأكثر على إحكام غلقه لأننيّ تجاسرت بالبحث بكبرياء، عن ذاك الذي لا يعرفه غير المتواضعين... بينما كنت أنا هالكًا كنت أظن أنيّ قادر على الطيران فتركت العش وسقطت قبل أن أطير، ولكن إله الرحمة أقامني حتى لا يطأني المارة بأقدامهم حتى الموت، ووضعني في العش].
ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص[106] أنها تدعوه هنا "مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي" ولا تعطه اسم، لأنها حين طلبته باسم له، ذاك الذي لا يسمى، لم تجده... سألت عنه القوات الملائكية المجتمعين يسبحون معًا في أعداد بلا حصر فصمتوا... إذ هي تطلب ذاك الذي لا يُدرَك بطريقة محدودة مدركة... وفي صمتهم أدركت خطأها. لهذا فإنها تحرص الآن ألاَّ تلقبه باسم ما.
ب. في المرحلة الثانية خرجت النفس من ذاتها، إذ تركت فراشها قائلة "أقوم"، ودخلت المدينة تبحث عن عريسها، تبحث عنه داخل المدينة في الأسواق والشوارع.
خرج أغسطينوس إلى الأسواق بالبحث عن الله خلال كتب الفلاسفة، وإلى الشوارع بالبحث عنه في الطبيعة، لكنه لم يجد الله، إذ لغباوته خرج يطلب الله خارج نفسه، مع أن الله كان في داخله عميقًا أعمق من عمقه وعاليًا أعلى من علوه.
ولعل المدينة هنا تُشير إلى الكتاب المقدس، فدخلت النفس إلى أسواق الكتاب وشوارعه أي رموزه ونبواته ومع هذا لم تستطع أن تلتقي بعريسها، لأنها لم تطلب عون الله الذي يجتذبها إليه. هذا ما صنعه
رؤساء الكهنة وكتبة الشعب حين فتشوا في الكتاب وعرفوا عن المسيا أنه يولد في بيت لحم اليهودية (مت ٢: ٤–٦)، مخبرين هيرودس بذلك دون أن يلتقوا هم بمسيحهم!
ج. في المرحلة الثالثة بحثت عنه خلال "الحراس" الذين هم خدام الكلمة الإلهي وفي هذه المرة أيضًا لا تقدر أن تلتقي بعريسها إلاَّ بعد تجاوزهم قليلًا. فالعاملون في الكرم يسندون النفس للدخول إلى العريس، لكنهم لا يقدرون أن يدخلوا بها إليه إلاَّ بعمله هو، إذ وحده يقدر أن يجتذب القلب نحوه.
حقًا، إن الكهنة ملتزمون بالحراسة، لكن "إن لم يحرس الرب المدينة فباطلًا سهر الحراس" (مز ٢٧: ١). إن كانوا يقومون بالعمل الكهنوتي فمن خلال العريس نفسه "الكاهن على رتبة ملكي صادق إلى الأبد".
لقد أدرك الرسول بولس التزام شعبه أن تجاوزه هو ورفقاءه، إذ أكد لأهل كورنثوس "من هو بولس ومن هو أبلوس... أنا غرست وأبلوس سقى، لكن الله كان ينمي" (١ كو ٣: ٥-٦).
بالمسيح يسوع نفسه تختبر النفس الاتحاد معه، فتدخل به إلى أعماقها إلى القلب الداخلي، يتناجيان بعيدًا عن كل الأنظار، يكشفان أسرارهما لبعضهما البعض بغير تكلف!
إنها تسأل بنات أورشليم، أي المقربات إليها، أن يتركونها مع عريسها في حياة السكون والصلاة الخفية... فإنها تود ألاَّ يشغلها شيء عن بقائها في أحضان هذا العريس الواهب الحياة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق