السبت، 22 أبريل 2017

سفر نشيد الانشاد ج2 تفسير بعض الآيات ذات الايحاءات الجنسية ارثوذكسيا



الاصحاح الثانى
4أَدْخَلَنِي إِلَى بَيْتِ الْخَمْرِ، وَعَلَمُهُ فَوْقِي مَحَبَّةٌ. 5أَسْنِدُونِي بِأَقْرَاصِ الزَّبِيبِ. أَنْعِشُونِي بِالتُّفَّاحِ، فَإِنِّي مَرِيضَةٌ حُبًّا " [٤-٥].
سبق أن رأينا "بيت الخمر" هو بيت "الحياة الجديدة"[72] التي صارت لنا خلال آلام السيد المسيح الخلاصية. ويرمز بيت الخمر إلى "بيت الوليمة والحكمة"، حيث تدخل النفس إلى السيد المسيح وتنال عصير تعاليم الحق ومزيجها في أناء الحكمة الإلهية، تنتعش به النفس جديدًا كل يوم... إذ تتعرف على أسرار الله كأنها جديدة كل يوم.
في هذا يقول العلامة أوريجانوس[73]: [أما الخمر الذي يستخرج من الكرمة الحقيقية "السيد المسيح" فهو جديد على الدوام، به يتجدد فهم المتعلمين للمعرفة الروحية والحكمة على الدوام لهذا السبب قال يسوع لتلاميذه: سأشرب هذا الخمر معكم جديدًا في ملكوت أبي (مت ٢٦: ٢٩)، لأن فهم الخفيات وإعلان الأسرار يتجدد على الدوام خلال حكمة الله، وذلك ليس فقط بالنسبة للبشر، بل أيضًا بالنسبة للملائكة والقوات السمائية].
إذ يدخل الرب المحب بالنفس المؤمنة إلى بيت محبته ويكشف لها أسرار حكمته الجديدة كل يوم، تتفهم "المحبة" كعلامة نصرة حبيبها وملكها فتُقيم "علم النصرة" فوقها، قائلة: "َعَلَمُهُ فَوْقِي مَحَبَّةٌ". لقد ملك عليها بالحب تمامًا. إلاَّ أن الترجمة السبعينية لهذا العبارة جاءت هكذا:
"ضع في تدبير المحبة" [٤].
إذ تدخل النفس بيت حبيبها تلتزم بقانون بيته ألا وهو "المحبة"، لكنها إذ لا تقدر أن تطبقه بذاتها تسأله أن يقوم بنفسه بتدبير حياة الحب فيها أي تتسلم من الله "الحب الحقيقي" قانون محبته، فتعرف كيف تحب الله والوالدين والأخوة... الخ.
الحب له تدبيره الخاص، فالإنسان يلتزم أن يحب الله من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة... أي يحب بغير حساب وبلا حدود. ويلتزم الإنسان أن يحب قريبه كنفسه (لخلاصها) وحبه لأخيه يكون محبته قد فقدت تدبيرها الحسن. يلتزم الإنسان أن يحب الوالدين خلال تكريمه لهما في الرب عمليًا، كما يلتزم الزوج بحب زوجته بطريقة تختلف عن حب الأبناء للوالدين، وغير حب الرعاة لشعبهم. حقًا في "بيت الحب" تنال طبيعة الحب الواحدة من مصدرها "الله نفسه" لكننا نلتزم أن نتعرف أيضًا على قانون الحب العملي[74].
تعود النفس تصرخ معلنة حاجتها إلى "المحبة" قائلة:
"أَسْنِدُونِي بِأَقْرَاصِ الزَّبِيبِ (الأطياب)[75]، أَنْعِشُونِي بِالتُّفَّاحِ، فَإِنِّي مجروحة ٌحُبًّا" [٥].
إذ دخلت النفس "بيت المحبة الإلهية" وتسلمت من الله تدبير الحب، تعلن أنها قد صارت مجروحة حبًا يستحيل أن تكون هذه الجراحات خاصة بحب جسداني، فأنه حسب التقاليد الشرقية لا يليق بالمحبوبة أن تقول أنها مجروحة حبًا بل للرجل وحده. هذا ومن جهة أخرى كيف تطلب المحبوبة من آخرين – غير حبيبها – أن يسندوها أو ينعشوها؟! هل يمكن لأقراص الزبيب أو الأطياب أو التفاح أن تضمد جراحات الحب أو تشفي مرضه؟
إنها صرخات النفس داخل الكنيسة "بيت المحبة"، إذ تطلب من خدام المسيح أن يسندوها بأقراص الزبيب أو الأطياب التي هي التعاليم الإلهية المعزية التي تسكب حب المسيح في الداخل، وتفيح رائحته الذكية. إنها تطلب التفاح الذي هو رمز للجسد المقدس، فهو سرّ انتعاشها الروحي! إذ هو وحده يقدر أن يشبع القلب حبًا، ويهب النفس تدبير حب حسن ولائق.
أما سرّ جراحات النفس بالحب، فكما يقول العلامة أوريجانوس[76] هو المسيح نفسه، الذي هو كلمة الله الحيّ الفعّال، الأمضى من سيف ذي حدين، يدخل إلى أعماق النفس ويجرحها بالحب الإلهي وفيما يلي بعض تعليقات للآباء على هذه العبارة.
* ليت غير الأصحاء يجرحون، فأنهم إذ يجرحون كما يليق يصيرون أصحاء!
القديس أغسطينوس[77]
* يعلمنا الكتاب المقدس أن الله محبة (١ يو ٤: ٨)، فقد صوب ابنه الوحيد "السهم المختار" (إش ٤٩: ٢) نحو المختارين، غارسًا قمته المثلثة في روح الحياة.
رأس السهم هو الإيمان، الذي يربط ضارب السهم بالمضروبين به، وكأن النفس ترتفع بمصاعد إلهية، فترى في داخلها سهم الحب الحلو يجرحها. متجملة بالجروح...
إنه جرح حسن وألم عذب، به تخترق "الحياة" النفس. إذ بواسطة دموع "السهم" تفتح النفس الباب الذي هو مدخلها...
القديس غريغوريوس أسقف نيصص[78]
* إن التهب أحد ما في أي وقت بالحب الصادق لكلمة الله، أن تقبل أحد الجراحات الحلوة لهذا "السهم المختار" كما يسميه النبي، إن كان قد جُرح أحد برمح معرفته المستحقة كل حب حتى أنه يحن ويشتاق إليه ليلًا ونهارًا، فلا يقدر أن يتحدث إلاَّ عنه، ولا ينصت إلاَّ إليه، ولا يفكر إلاَّ فيه، ولا يميل إلى أي رغبة أو يترجى سواه، متى صار الأمر هكذا تقول النفس بحق: "أنيّ مجروحة حبًا". إنها تتقبل جرحها من ذاك الذي تقول عنه: "جعلني سهمًا مختارًا، وفي جعبته يخفيني" (إش ٤٩: ٢).
يليق بالله أن يضرب نفوسنا بجرح كهذا، يجرحها بمثل هذه السهام والرماح، يضربها بمثل هذه الجراحات الشافية...
ما دام الله "محبة"، فإنهم يقولون عن أنفسهم: "أنيّ مجروحة حبًا". أحقًا أنها دراما الحب إذ تقول النفس: أنيّ تقبلت جراحات الحب!
النفس التي تلتهب بالشوق نحو حكمة الله، أي التي تقدر أن تنظر جمال حكمته، تقول بنفس الطريقة: "أنيّ مجروحة بالحكمة". والنفس التي تتأمل سمو قدرته، وتدهش بقوة كلمته، يمكنها القول: "أنيّ مجروحة بالقدرة". أظن أن مثل هذه النفس هي بعينها التي قالت: "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف، الرب حصن حياتي ممن أجزع؟!" (مز ٢٦). والنفس التي تلتهب بحب عدالة الله وتتأمل عدل تدابير عنايته تقول بحق: "أنيّ مجروحة بالعدل". والنفس التي تتطلع إلى عظمة صلاحه وحنو محبته تنطق أيضًا بنفس الطريقة. أما الجرح الذي يشمل هذه الأمور جميعها فهو جرح الحب الذي به تعلن العروس: "أنيّ مجروحة حبًا".
العلامة أوريجانوس[79]
هذه هي جراحات الحب التي جُرحت بها النفس بواسطة "السهم المختار"، السيد المسيح، الذي بمحبته يضع شماله تحت رؤوسنا حتى يوجهها بعيدًا عن الزمنيات، قاطعًا فينا كل محبة للأرضيات وبيمينه يجتذبنا نحو السمويات، لهذا تُناجيه النفس هكذا:
"شِمَالُهُ تَحْتَ رَأْسِي وَيَمِينُهُ تُعَانِقُنِي" [٦].
بمعنى آخر، بشماله يؤدب، فتصغر أمامنا الحياة الزمنية وكل ملذات الجسد والعالم، وبيمينه يترفق إذ يفتح القلب أمام السمويات فتشتهيها.
إذ دخلت النفس إلى بيت المحبة الإلهية، وجرحت بالسهم الشافي، تتلمس محبته اللانهائية سواء في تأديباته أو حنوه، وتشعر خلال الأمرين (التأديب والحنو) كأن رأسها متكئة على شماله ومحوطة بيمينه، بهذا يصير كيانها كله في أحضانه الإلهية أما وجهها فيصير قبالة وجهه، تتقبل كل قبلات فمه الإلهية... لهذا فهي تحرص ألا يقطع أحد هذه الشركات العميقة،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق